الإماراتي "المعزول" في روسيا .. إنجاز علمي تصنعه التضحيات

هل تخيل أحدنا يوماً أن يعيش معزولاً داخل أربعة جدران بعيداً عن ممارسة حياته الطبيعية لعدة أيام، لا أشعة شمس يتلمس نسيج خطوطها، أو أناس يحيطون به يجاذبهم أطراف الحديث بين حين وآخر، إذن فما القول إذا كنت معزولاً لمدة 8 أشهر لا تفعل شيئاً خلالها، غير إجراء تجارب علمية في ظروف عزل تحاكي في تفاصيلها المهمات الفضائية.. نعم ذلك تماماً هو حال رائد محاكاة الفضاء الإماراتي صالح العامري، الذي ينفذ حالياً أول مهمة إماراتية لمحاكاة الحياة في الفضاء، وذلك ضمن برنامج "سيريوس21" في بيئة منعزلة كلياً عن العالم الخارجي، وتنفذ في المجمع التجريبي الأرضي بمعهد الأبحاث الطبية والحيوية بأكاديمية العلوم الروسية في مو

سيناريوهات مشابهة
وفي إطار البحث عن نظرة عميقة إزاء الظروف التي يمكن أن يتعرض لها رواد الفضاء، وإعداد وجمع المعلومات التي قد تفيد في استكشافات الفضاء في المستقبل، تأتي أهمية إجراء اختبارات محاكاة على الأرض في ظروف تماثل حياة الفضاء، وذلك لتطوير سيناريوهات مشابهة للبعثات المستقبلية إلى الفضاء، فيما تتشابه هذه المهمات مع طبيعة المهام الحقيقية، وتتنوع اختباراتها لتشمل تكنولوجيا الفضاء المستخدمة، والعزلة البشرية، والاتصال بالمحطة الأرضية، وإجراء التجارب الفضائي، فضلاً عن تجارب لفهم الظروف القاسية في الفضاء.

وتعد مهمات محاكاة الفضاء تجارب محورية تضع أسساً لتصميم وتنفيذ مهام فضائية مستقبلية، فيما ترسم خارطة طريق لاستكشاف المريخ والكواكب الأخرى، وتقوم هذه التجارب بدور جوهري في مجال البحث العلمي لفهم هذا القطاع العلمي، فيما يستفيد العلماء من نتائج هذه التجارب في تطوير آليات خاصة باتخاذ تدابير مضادة تساعد البشر على مواجهة المخاطر التي قد نواجهها في الفضاء بالإضافة إلى اختبار تقنيات جديدة.

إغلاق مُحكم
ويجري العامري حالياً مع رفقائه من وكالتي الفضاء الأمريكية والروسية الذين آثروا أن يخوضوا بأنفسهم  هذا التحدي من أجل خدمة البشرية وتعزيز البحث العلمي، 71 تجربة خلال مدة المهمة، بينها 5 تجارب إماراتية من 4 جامعات بالدولة، تغطي مجالات علم وظائف الأعضاء وعلم النفس وعلم الأحياء، فيما يتم ذلك من دون أي اتصال بالعالم الخارجي، على نحو يحاكي الرحلات الفضائية الطويلة تماماً، ويطورون مراحل وسيناريوهات مختلفة لمهمة مأهولة إلى القمر، وتشتمل هذه المراحل على الإطلاق والسفر في المدار إضافة إلى الهبوط والعودة إلى الأرض.

ويعمل الطاقم في جسم محكم الإغلاق يحاكي مركبة فضائية، بهدف تقييم تأثير العزلة على الحالة النفسية والجسدية والأداء العقلي والبدني، وكذلك على الأنظمة الفسيولوجية الرئيسية لجسم الإنسان، وضمان التحكم في الحالة الصحية للأشخاص الخاضعين للاختبار، ووفق المعايير البيئية والظروف الصحية للعزل، فيما تشمل أهداف المهمة إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للبيانات العلمية التي يتم الحصول عليها أثناء تنفيذ المشروع.

دعم الحياة
وتتكون غرف المجمع التجريبي من أنظمة مستقلة لدعم الحياة يتم التحكم فيها بواسطة نظام تنفيذي، يشكل موطناً يعمل وفق معايير محددة، بما في ذلك نظام التهوية وتكييف الهواء وتنقية الغلاف الجوي وتحليل الغاز ودعم ظروف معينة للضغط ودرجة الحرارة والرطوبة وتكوين الغاز، فضلاً عن إمدادات المياه، والصرف الصحي، والكهرباء، والإضاءة الكهربائية، والمراقبة بالفيديو، وأنظمة إطفاء الحريق، بينما تتوفر بعض الخصائص الأخرى مثل توفير الوحدات السكنية بأحجام متفاوتة، ودورات تعاقب الليل والنهار وظروف عمل مبتكرة للبحث وفقاً لطلبات القائمين على الاختبارات.

ويحتوي المجمع على مرافق فريدة لإجراء الدراسات النموذجية لرحلات الفضاء لفترات مختلفة تصل لأكثر من 500 يوم، فيما يعتبر منصة للمحاكاة مع وحدات تجريبية متعددة الوظائف، ويمكنها استيعاب عدد يتراوح من 3 إلى 10 أشخاص من أفراد الطاقم، فيما يتم التحكم بالتجربة وجميع الأنظمة ومراقبة الطاقم والمعايير البيئية، من مركز التحكم في التجربة التابع للبرنامج.

مراحل سيريوس
ويحاكي مشروع البحث العلمي المشترك الذي يجري بالتعاون بين وكالة ناسا الأمريكية ومعهد البحوث البيولوجية في روسيا "سيريوس" ظروف مهمة فضائية مأهولة طويلة المدى من أجل دراسة المشكلات الطبية ّ الحيوية والنفسية التي قد يتعرض لها البشر بسبب العزلة في بيئة فضائية محصورة، فيما تم تصميم هذا البرنامج لمدة تصل إلى 5 سنوات، حيث اكتملت حتى الآن مرحلتان من البرنامج، تضمنت المرحلة الأولى "سيريوس 17"، وكانت لمدة 17 يوماً، خلال الفترة 7 - 24 نوفمبر 2017.

واستغرقت المرحلة الثانية "سيريوس 19"، 120 يوماً وتمت بين 19 مارس ــ 17 يوليو 2019، فيما بدأت المرحلة الثالثة "سيريوس 21" في 4 نوفمبر الماضي وتمتد لـ240 يوماً، وستكون عبارة عن تجربة عزل تحاكي السمات الرئيسية لمهمة مستقبلية لاستكشاف الفضاء، بينما من المخطط أن تنطلق "سيريوس22/‏‏23"خلال 2022 ولمدة 12 شهراً.

شحنات طعام
والآن وبعد مرور نحو 100 يوم من بدء رائد محاكاة الفضاء صالح العامري مهمته، فإنه قد أتمَ تجربة محاكاة لمهمات سير على سطح القمر تمت عبر الاستعانة بأجهزة الواقع الافتراضي، والبدلات الذكية المزودة بأدوات الاستشعار الفسيولوجي وبدلات السير في الفضاء، فيما ستشهد الأيام المقبلة تجارب جديدة، ينتظر العلم نتائجها للتخطيط لرحلات فضائية مأهولة نحو الفضاء العميق خلال السنوات المقبلة.

وعن أنواع المواد الغذائية التي يتناولها رواد الفضاء في مهمات المحاكاة يقول  المهندس محمد بن نشوق مدير مشروع الإمارات لمحاكاة الفضاء، لـ"البيان"، إن هناك 3 شحنات للحمولات الغذائية يتم إرسالها لأفراد المهمة من خلال مركبات تلتحم بالمحطة الفضائية الموجود بداخلها الرواد، تكون الأولى قبل بدء المهمة بوقت قليل بحيث عند وصول الرواد للمحطة الفضائية، يجدون المواد الغذائية التي تعينهم على قضاء مهمتهم بأمان وتكفي محتوياتها لنحو 4 ـ 5 شهور مقبلة، فيما الشحنة الثانية تصل بعد مرور شهرين، بينما الشحنة الغذائية الثالثة تصل بعد منتصف مدة المهمة المقررة.

مكملات غذائية
ويتابع أن نوعية المواد الغذائية تكون عبارة عن معلبات لأنواع من اللحوم أو الأسماك، وصولاً إلى البقوليات مثل الشوفان وغيره من الحبوب عالية القيمة الغذائية، التي يضاف إليها الماء الساخن لكي تكون صالحة للتناول، فيما يشترط في جميعها أن تكون طويلة الأمد، وتحتوي على الفيتامينات والسعرات الحرارية التي يحتاجها جسم الرواد خلال رحلتهم الفضائية، كما يجب أن تكون سهلة في تخزينها ولا تأخذ مساحة كبيرة داخل المحطة الفضائية.

 ويشير إلى أن هناك متابعة حثيثة من اختصاصيي التغذية لمراقبة معدلات أداء أجهزة جسم رواد محاكاة الفضاء والتعرف على احتياجاتها، وأنه لذلك يتم إرسال مكملات غذائية كافية مع حمولات الشحنات الغذائية لكي تعوض الاحتياجات الفسيولوجية لأجهزة الجسم.

الاكثر من أخبار محلية

أخبار محلية